ابن قيم الجوزية

195

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

أماكنهم . نادى المنادي يا أهل الجنة أن لكم عند اللّه موعدا يريد أن ينجزكموه . فيقولون ما هو ؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا . ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار . فبينما هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه قد أشرف عليهم . من فوقهم وقال يا أهل الجنة سلام عليكم فلا ترد هذه التحية بأحسن من قولهم اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى يضحك إليهم ويقول يا أهل الجنة فيكون أول ما يسمعون منه تعالى أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة أن قد رضينا فارض عنا ، فيقول يا أهل الجنة إني لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتي . هذا يوم المزيد فاسألوني . فيجتمعون على كلمة واحدة أرنا وجهك ننظر إليه . فيكشف لهم الرب جل جلاله الحجب ويتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن اللّه تعالى قضى أن لا يحترقوا لاحترقوا . ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره ربه تعالى محاضرة حتى أنه ليقول يا فلان أتذكر يوم فعلت كذا وكذا يذكره ببعض غدراته في الدنيا . فيقول يا رب ألم تغفر لي ؟ فيقول بلى بمغفرتي بلغت منزلتك هذه فيا لذة الاسماع بتلك المحاضرة ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم في الدار الآخرة . ويا لذة الراجعين بالصفقة الخاسرة . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ . فحي على جنات عدن فإنها * منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبى العدو فهل ترى * نعود إلى أوطاننا ونسلم الباب الخامس والستون في رؤيتهم ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكا إليهم هذا الباب أشرف أبواب الكتاب وأجلها قدرا وأعلاها خطرا وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة وأشدها على أهل البدعة والضلالة وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وتنافس فيها المتنافسون . وتسابق إليها المتسابقون . ولمثلها فليعمل العاملون . إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم * وحرمانه والحجاب عنه لأهل